الشيخ داود الأنطاكي
57
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
في الناسول والشعر والدم . ويمكن الجواب عنه : بأن بساطة التراب مع أشعة الكواكب والرطوبات المائية كافية في التوليد ، ثم بعد المعادن النبات ، كذا قاله المعلّم ؛ لأنه توت الحيوان فايجاده قبله من الحكمة ؛ لعدم بقائه بدونه ، وهذا حق . لكن يمكننا مناقشته ؛ لأنا نقول : إن مجرد التراب البسيط لا ينبت دون أن يخالط نحو الأرواث كما قرر في الفلاحة ، فيجوز تقديم الحيوان واقتيات بعضه ببعض ، ويجوز أن يرد هذا بما سبق في المعادن . ثم الحيوان على اختلافه ، قد وقع الاجماع على أن الانسان آخر أنواع المواليد ايجاداً ، وأنه أشرفها وهي حدوده ، فلذلك أشبهها فمنه جامد في الفطرة ، لكن اما صاف عديم الضرر كالياقوت « 1 » أو خبيث كالرصاص « 2 » ، ومنه مرّ مع نفع كالسبر وضرر كالدفلى « 3 » وحلو كالعنب وحامض كالليمون ، ومنه غادرٌ كتوم كالجمل ومفترس كالأسد وخبيث كالقرد وحيران مع القدرة كالنمر ، ومع العجز كالأرنب ، ومتملق كالهر ، ومألوف كالكلب ، ونفور كالظبي . ومنه ما يجذبه الكلام ، والضرب كالدب ، والمقاود كالضبع ، وما تجلبه الشهوات كالحمار ، فهذه أخلاق يحتاج إليها الملك في سياسة المدن الجامعة . ومنهم الانسان الخالص : وهو الكائن بين نفس بحت شأنها التهذيب بالأخلاق والنظر في النواميس والسياسات والعلوم الفاضلة طلباً للغايات التي من أجلها أدخلت هذا الهيكل ، وبين جسم بحت شأنه التنعم بالشهوات الحيوانية من لبس وأكل ونكاح ، فان مال إلى الأول فهو الكامل المطلق كخواص الأنبياء وذوي النفوس القدسية ، أو إلى الثاني فهو الحيوان بالحقيقة ، أو اخذ من كلٍ بنصيب فهو العدل المستقيم . وهذا كله بمجرد عناية المختار في الأصح . وقال : انه بمقتضيات وقت التخلق والخروج ، وفي الحقيقة لا منافاة إن جعلت الكواكب علامات على تحقيق ذلك عندنا
--> ( 1 ) اليَاقُوت : حجر من الأحجار الكريمة ، وهو أكثر المعادن صلابةً بعد الماس ، ويتركب من أكسيد الألمنيوم ، ولونه في الغالب شفاف مشرب بالحمرة أو الزرقة أو الصفرة ، يستعمل للزينة . ( المعجم الوسيط ) . ولاحظ ( تذكرة أولي الألباب ج 1 ، ص 727 ) . وقال ابن البيطار في جامع المفردات عن ارسطوطاليس : وهو ثلاثة أجناس : اصفر واحمر وكحلي ، فأشرفها وأنفسها الأحمر . . ( ج 4 ، ص 509 ) . ) ( 2 ) الرصَاص : معدن ، وهو ضربان ، أسود وهو الأسرب والأبار ، وأبيض ، وهو القلعي والقصدير . ( محيط المحيط ) . ولاحظ ( القانون ج 1 ، ص 667 ) و ( التذكرة لداود الأنطاكي ج 1 ، ص 395 ) . ) ( 3 ) الدِّفْلَى : نبت مرّ زَهْرُه كالورد الأحمر ، وحمله كالخروب ، من الفصيلة الدفلية ، ويتخذ للزينة . ( المعجم الوسيط ) . وفي تذكرة الأنطاكي انه : نبت نهري وبري يطول فوق ذراعين ، عريض الورق ودقيقها ، صلب مُرّ إلى الحرافة ، له ورد خالص إلى الحمرة يجتمع عليه شيء كالشعير ، ومنه أسود واصفر ، ويخلف قروناً تطول إلى نحو شبر محشوة كالصوف وعروق شعرية حمر . وهو يقيم مدّة سنتين إلّا أن زهره خريفي ، وكلما بعد عن الماء كان أعظم . وهو حار يابس في أخر الثالثة . ( ج 1 ، ص 366 ) . )